العلامة المجلسي

32

بحار الأنوار

فبعث عزرائيل فقال : وأنا أعوذ بعزة الله أن أعصي له أمرا " ، فقبض قبضة من أعلاها وأدونها وأبيضها وأسودها وأحمرها وأخشنها وأنعمها ( 1 ) ، فلذلك اختلفت أخلاقهم وألوانهم ، فمنهم الأبيض والأسود والأصفر ، فقال له تعالى : ألم تتعوذ منك الأرض بي ، فقال : نعم ، لكن لم ألتفت له فيها ، وطاعتك يا مولاي أولى من رحمتي لها ، فقال له الله تعالى : لم لا رحمتها كما رحمها أصحابك ؟ قال : طاعتك أولى ، فقال : اعلم أني أريد أن أخلق منها خلقا " أنبياء وصالحين وغير ذلك ، وأجعلك القابض لأرواحهم ، فبكى عزرائيل عليه السلام فقال له الحق تعالى : ما يبكيك ؟ قال : إذا كنت كذلك كرهوني هؤلاء الخلائق ، فقال : لا تخف إني أخلق لهم عللا فينسبون الموت إلى تلك العلل ، ثم بعد ذلك أمر الله تعالى جبرئيل عليه السلام أن يأتيه بالقبضة البيضاء التي كانت أصلا " ، فأقبل جبرئيل عليه السلام ومعه الملائكة الكروبيون والصافون والمسبحون ، فقبضوها من موضع ضريحه وهي البقعة المضيئة المختارة من بقاع الأرض ، فأخذها جبرئيل من ذلك المكان فعجنها بماء التسنيم ( 2 ) وماء التعظيم وماء التكريم وماء التكوين وماء الرحمة وماء الرضا وماء العفو ، فخلق من الهداية رأسه ، ومن الشفقة صدره ، ومن السخاء كفيه ، ومن الصبر فؤاده ، ومن العفة فرجه ، ومن الشرف قدميه ، ومن اليقين قلبه ، ومن الطيب أنفاسه ، ثم خلطها بطينة آدم عليه السلام ، فلما خلق الله تعالى آدم عليه السلام أوحى إلى الملائكة : ( إني خالق بشرا " من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ) فحملت الملائكة جسد آدم عليه السلام ووضعوه على باب الجنة وهو جسد لا روح فيه ، والملائكة ينتظرون متى يؤمرون بالسجود ، وكان ذلك يوم الجمعة بعد الظهر ، ثم إن الله تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم عليه السلام فسجدوا إلا إبليس لعنه الله ، ثم خلق الله بعد ذلك الروح وقال لها : ادخلي في هذا الجسم ، فرأت الروح مدخلا " ضيقا " فوقفت ، فقال لها : ادخلي كرها " ، واخرجي كرها " ، قال : فدخلت الروح في اليافوخ ( 3 ) إلى العينين ، فجعل ينظر إلى نفسه ، فسمع تسبيح

--> ( 1 ) أي الينها . ( 2 ) تسنيم قيل : هو عين في الجنة رفيعة القدر ، وفسره في القرآن بقوله : ( عينا يشرب بها المقربون ) . ( 3 ) اليافوخ واليأفوخ : الموضع الذي يتحرك من رأس الطفل ، وهو فراغ بين عظام جمجمته في مقدمتها وأعلاها لا يلبث أن تلتقي فيه العظام .